الفيض الكاشاني
333
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
اللَّه ، ورجل لم يؤته اللَّه مالا فيقول : لو أنّ لي مال فلان كنت أعمل بمثل عمله ، فهما في الوزر سواء » ( 1 ) فذمّه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم من جهة تمنّية للمعصية لا من جهة حبّه أن يكون له من النعمة مثل ماله ، فإذا لا حرج على من يغبط غيره في نعمة ويشتهي لنفسه مثلها مهما لم يحبّ زوالها عنه ولم يكره دوامها له ، نعم إن كانت تلك النعمة نعمة دينيّة واجبة كالإيمان والصلاة والزكاة فهذه المنافسة واجبة وهو أن يحبّ أن يكون مثله لأنّه إن لم يحبّ ذلك فيكون راضيا بالمعصية وذلك حرام ، وإن كانت النعمة من الفضائل كإنفاق الأموال في المكارم والصدقات فالمنافسة فيها مندوب إليها ، وإن كانت نعمة يتنعّم فيها على وجه مباح فالمنافسة فيها مباح وكلّ ذلك يرجع إلى إرادته مساواته واللَّحوق به في النعمة وليس فيها كراهة النعمة وكان تحت هذه النعمة أمران : أحدهما راحة المنعم عليه والآخر ظهور نقصان غيره وتخلَّفه عنه وهو يكره أحد الوجهين وهو تخلَّف نفسه ويحبّ مساواته له . ولا حرج على من يكره تخلَّف نفسه ونقصانها في المباحات نعم ذلك ينقص من الفضل ويناقض الزّهد والتوكَّل والرّضا ، ويحجب عن المقامات الرّفيعة ولكنّه لا يوجب العصيان ، وههنا دقيقة غامضة وهو أنّه إذا أيس عن أن ينال مثل تلك النعمة وهو يكره تخلَّفه ونقصانه فلا محالة يحبّ زوال النقصان وإنّما يزول نقصانه إمّا بأن ينال مثلها أو بأن تزول نعمة المحسود ، فإذا انسدّ إحدى الطريقتين فيكاد القلب لا ينفكّ عن شهوة للطريقة الأخرى حتّى إذا زالت النعمة عن المحسود كان ذلك أشهى عنده من دوامها إذ بزوالها يزول تخلَّفه وتقدّم غيره وهذا لا يكاد ينفكّ القلب عنه وإن كان بحيث لو ألقى الأمر إليه وردّ إلى اختياره لسعى في إزالة النعمة عنه فهو حسود حسدا مذموما ، وإن كان يرتدعه التقوى عن إزالة ذلك فيعفى عمّا يجده في طبعه من الارتياح إلى زوال النعمة عن محسودة مهما كان كارها لذلك من نفسه بعقله ودينه ولعلَّه المعنيّ بقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « ثلاث لا ينفكّ المؤمن عنهنّ : الحسد والظنّ والطيرة - ثمّ قال : - وله منهنّ مخرج ، إذا حسدت
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة في باب النية تحت رقم 4228 .